السيد كمال الحيدري
83
دروس في علم الإمام
لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، حيث بيّنت أنّه عليه السلام كان مسلماً وباختياره إجابةً لدعوة ربّه وامتثالًا لأمره ، وقد كان هذا من الأوامر المتوجّهة إليه في بدء أمره ، فسؤاله في أواخر عمره عليه السلام مع ابنه إسماعيل وهو في ذلك المقام ، يكشف عن أنّه يريد أمراً غير حاصل له ، وليس ذلك إلّا درجة العبوديّة التامّة ، التي أشرنا إليها في هذه المرتبة . ويتعقّب الإسلام بهذا المعنى المرتبة الرابعة من الإيمان ، وهو استيعاب هذا الحال لجميع الأحوال والأفعال ؛ قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يونس : 62 ، فإنّ هؤلاء المؤمنين المذكورين في الآية يجب أن يكونوا على يقين من أن لا استقلال لشيء دون الله ، ولا تأثير لسبب إلّا بإذن الله ، حتّى لا يحزنوا من مكروه واقع ولا يخافوا محذوراً محتملًا ، وإلّا فلا معنى لكونهم بحيث لا يخوّفهم شيء ولا يحزنهم أمر ، فهذا النوع من الإيمان بعد الإسلام المذكور . النبي الأكرم أول المسلمين إلّا أنّ الشيء الذي يستدعي الالتفات ، هو تلك الصيغة القرآنيّة الخاصّة التي نعتت الرسول صلى الله عليه وآله بأنّه أوّل المسلمين ، كما في قوله تعالى : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ المُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ الأنعام : 161 - 163 ، وبالإمعان في هذه الصيغة نجد أنّها تختلف عن الصيغة التي استعملها القرآن الكريم في وصف الأنبياء السابقين ، التي لم يستعمل فيها القرآن هذا الوصف حتّى بالنسبة لأنبياء أُولي العزم كما عرفت ، ومن ثمّ يكون وصف « أوّل المسلمين » مختصّاً بخاتم الأنبياء والمرسلين محمّد صلى الله عليه وآله .